سيف الدين الآمدي
374
أبكار الأفكار في أصول الدين
وعلى هذا : فأمكن أن يكون المراد من الظالمين الكفار ؛ فإن الكفار ظلمة على ما قال - تعالى : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ « 1 » . وإن سلمنا العموم غير أنه / يجب حمله على الكفار ؛ ضرورة الجمع بينه ، وبين ما ذكرناه من الدليل ، وربما قيل بموجب هذه الآية من حيث إنها نفت أن يكون في الآخرة شفيع مطاع ، ولا يلزم من نفى الشفيع المطاع ؛ نفى الشفيع مطلقا ، وهو بعيد من جهة أن الطاعة في اللغة عبارة عن فعل مراد الطالب . وسواء كان الطالب مساويا ، أو أعلى أو أدنى ، ولذلك قال عليه السلام لابن عباس : « إن أطعت الله أطاعك » : أي إن فعلت ما أراد ؛ فعل ما تريد ، وقد حققنا ذلك فيما تقدم « 2 » ، ولو لم يكن في الآخرة شفيع مطاع ؛ لما كان مراده حاصلا من شفاعته ، وهو خلاف مطلوبنا ، وقوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ « 3 » . فنحن وإن سلمنا جدلا أن العموم له صيغة غير أن الضمير في قوله تعالى : وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ إنما هو عائد إلى النفس المذكورة ثانيا ، وهي نكرة ، والأصل في النكرات الخصوص ، إلا إذا كانت منفية كقولهم : لا رجل في الدار ، أو نفى عنها شيء كقولهم : ما جاءني أحد . والنفس المذكورة ثانيا غير منفية ، ولا نفى عنها شيء فتبقى على الخصوص . وعلى هذا : فيمكن أن يكون المراد منها النفس الكافرة ، ويجب الحمل عليها جمعا بين الدليلين . فإن قيل : النكرة وإن لم تكن منفية ، ولا نفى عنها شيء إلا أنها إذا كانت متعلقة بما نفى عنه شيء ، فتكون عامة كما لو قال القائل : والله لا شربت ماء من إداوة « 4 » ، فإن المنفى : هو الشرب ، والماء محله ، والإداوة عمل المحل ، ومع ذلك فإنه يعم كل إداوة ، حتى أنه يحرم الشرب من أي إداوة كان .
--> ( 1 ) سورة البقرة 2 / 254 . ( 2 ) راجع ما تقدم ل 227 / ب . ( 3 ) سورة البقرة 2 / 123 . ( 4 ) الإدواة : إناء صغير يحمل فيه الماء ( ج ) أداوى . [ المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية - الطبعة الثالثة - باب الهمزة . 1 / 10 ] .